ابن عجيبة
576
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
قلت : فالحبيب غيور ؛ لا يحب أن يرى في قلب حبيبه غيره . فإذا رأى فيه شيئا أخرجه منه ، وفرق بينه وبينه ؛ غيرة منه واعتناء به ، وهو السر في افتراق يوسف من أبيه . واللّه تعالى أعلم . ثم تعرضوا ليوسف ، فقالوا : [ سورة يوسف ( 12 ) : الآيات 9 إلى 10 ] اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضاً يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْماً صالِحِينَ ( 9 ) قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ ( 10 ) يقول الحق جل جلاله : قال إخوة يوسف لما حركهم الحسد : اقْتُلُوا يُوسُفَ ؛ قيل : إنما قاله شمعون ودان ، ورضى به الآخرون ، أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضاً ؛ أي : في أرض بعيدة يأكله السباع ، أو يلتقطه أحد ، فإن فعلتم يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ أي : يصف إليكم وجه أبيكم ؛ فيقبل بكليته عليكم ، ولا يلتفت عنكم إلى غيركم ، ولا ينازعكم في محبته أحد ، وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ ؛ من بعد يوسف ، أو الفراغ من أمره ، أو قتله ، أو طرحه ، قَوْماً صالِحِينَ تائبين إلى اللّه عما جنيتم ، مع محبة أبيكم . أو صالحين في أمور دنياكم ، فإنها تنتظم لكم بخلو وجه أبيكم لكم ، قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ هو يهوذا ، وكان أحسنهم فيه رأيا ، وقيل : روبيل : لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ ؛ فإن القتل عظيم ، وَأَلْقُوهُ فِي غَيابَتِ « 1 » الْجُبِّ : في قعره ، سمى به لغيبته عن أعين الناظرين . ومن قرأ بالجمع ، فكان بتلك الجب غيابات ، يَلْتَقِطْهُ : يأخذه بَعْضُ السَّيَّارَةِ أي : الذين يسيرون في الأرض ، إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ ما يفرق بينه وبين أبيه ولا بد ، أو كنتم فاعلين بمشورتى . الإشارة : إن أردت أن يخلو لك وجه قلبك فيخلو لك وجه حبيبك ، حتى تشاهده عيانا وتعرفه إيقانا ، فاقتل كل ما يميل إليه قلبك ويعشقه من الهوى ، واطرح عن عين بصيرتك رؤية السّوى ، ترى من أنوار وجهه وأسرار محاسنه ، ما تبتهج به القلوب والأسرار ، وتتنزه في رياض محاسنه البصائر والأبصار . وأنشدوا : إن تلاشى الكون عن عين كشفى * شاهد القلب غيبه في بيان فاطرح الكون عن عيانك وامح * نقطة الغين إن أردت تراني
--> ( 1 ) قرأ الجمهور « غيابة » بالإفراد هنا وفي الموضع التالي في الآية ( 18 ) وقرأ نافع « غيابات » بالجمع في الموضوعين ، وقد سار المفسر هنا على قراءة الجمهور ، وسار في الموضع التالي على قراءة نافع .